زلـة "المثقف" التنويري

زلـة "المثقف" التنويري
رسالة إلى جابر عصفور: دماء الشرفاء ليست مظلة
                                                          منصور التجنيدة
"يجب أن يسير المرء مع الحقيقة حتى ولو كان على حافة قبره."
مكسيم غوركي
"عندما لا يفكر الإنسان في ما يفعل، يفعل ما يفكر فيه."
مكسيم غوركي

السيد وزير الثقافة المحترم،
    في الوقت الذي يجتاز فيه الشعب المصري والأمة العربية معه ـ لما لمصر من دور ريادي  تاريخي وحضاري وجيواستراتيجي  في المنطقة ـ منعطفا  دقيقا  ومرحلة تاريخية صعبة ، تستلزم توحيد الصفوف وتكثيف الطاقات التي تحتاجها ثورة القطن لتحصد الرؤوس اليانعة التي انطلقت شرارتها من رماد عظام البوعزيزي ، في هذا الظرف العصيب اختار البعض الطريق الهين ؛ طريق الانتهازية  و الاصطفاف  في الخندق في غياب تام لجرأة  المبدأ  وشجاعة الموقف.
ليس من العيب أن يتولى المثقف حقيبة وزراية، بل إن لم يتولها  ويساهم في الإصلاح  والتغيير ( لما له من إمكانات و ووعي بالمسؤولية وتقدير لأعبائها) فمن  تراه يقوم بهذا الدور؟ لكن المأخذ كل المأخذ هو أن يتحمل  "المثقف" هذه المسؤولية في هذه اللحظة حيث دماء الشهداء تنزف وأرواحهم ترتفع إلى باريها.

 السيد وزير الثقافة المحترم،
إذا كان النظام يكتسب سلطته وشرعيته من أصوات الشعب، فهاهي الحناجر قد بحت   من شدة ما صدحت به، لكن لا صدى ولا ارتداد، انه الصمم. وإذا كان النظام الحاكم قد فقد شرعيته الديموقراطية التي لا توجد أصلا والتاريخية التي تآكلت منذ الهرولة، فبأي حق يعينك وبأي حق تقبل ـ و أنت "المثقف" ـ هذا التعيين ؟؟  
قد يعيننا على فهم هذا الموقف ـ دون أن نقبله ـ أن الدكتور جابر عصفور جزء من هذا النظام الذي بدأ يغرق في مستنقعه مذ قبل الانتقال من الدرس الجامعي والعمل الأكاديمي إلى التدبير و التسيير الإداريين كأمين عام  للمجلس الأعلى للثقافة ومدير المركز القومي للترجمة ، وإذا كان بالإمكان فهم بعض القضايا التي يطرحها تدبيركم الإداري للمؤسسات الثقافية كالتفرغ ، والمشاركة في الملتقيات الأدبية والفكرية ، وما يخلفه منح الجوائز للأعمال الأدبية من مد وجزر حول أحقيتها، فان الشبهة التي تحول حولكم هو تحولكم إلى شرطي النظام في العمل الثقافي ، فما زال تحريضكم للمثقفين الذين تضامنوا مع رفض الروائي صنع الله إبراهيم لجائزة الرواية خير شاهد ،  أضف إلى ذلك عدم تقبلكم للأصوات المختلفة معكم  والرافضة لسياسات النظام الحاكم ( قانون الطوارئ ، توريث الحكم ، التمديد ، سيطرة الحزب الواحد ، تزوير الانتخابات  ، تفقير الشغب وتجويعه..)، فلم يرصد لنا المشهد الثقافي ـ في ما نعلم ـ موقفا لكم حول هذه القضايا ! !
السيد الوزير المحترم،
لا ننكر أنكم أمتعتمونا بالعديد من المؤلفات والدراسات  والمقالات ذات القيمة في بابها، سواء في البلاغة أو النقد الأدبي أو التراث أو الترجمة، وإذ نخاطب فيكم هذا المثقف النقدي نلتمس منكم القليل من النقد الذاتي: ضع هذا التوزير ـ في هذه اللحظة التاريخية  الحرجة ـ أمام مرآة التزوير( تزوير أصوات الشعب)  ثم احكم ، وإذا كان " زمن جميل قد مضى" فان الزمن الأجمل آت ، زمن الموقف ولامناص  من حكم التاريخ والشعب ، الحكم الذي لا يُنسى .
وإذ نتذكر  تحقق نبوءة عميد الأدب العربي التي أعلنها إمامك . فان خيبته ، وأنت تقبل هذا الاستزوار المذل بالمثقفين ، لم تصب أحدا سواك ، ولا يعني هذا إلا شيئا واحدا هو انك واحد من أذناب هذا الحكم العاض على الكرسي ولو أدى ذلك إلى خراب المجتمع، ألم تجد في قاموس الاعتذار ـ  والحالة هاته ـ كلمة تحفظ بها ماء وجه المثقفين وأنت المثقف الناقد المترجم البليغ الفصيح ، أم أن للموقف لغة أخرى وقاموسا آخر؟؟
السيد الوزير المحترم،
مادام في العمر رمق، فان للموقف متسع بعيدا عن عزلة الخيارات وخيارات العزلة، وها نحن..ـ مسلمين ومسيحيين... ننتظرك بميدان التحرير لتصدح معنا على إيقاع واحد: الشعب...يريد... إسقاط ... النظام.